الشيخ حسن المصطفوي
32
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
شرح الصدر انبساط فيه ورفع الانقباض ليستعدّ لقبول النور والايمان ، فالانشراح : تحقّق اقتضاء واستعداد فقط ، ويدلّ عليه ما في بقيّة الآيات : * ( وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) * ، * ( فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ ا للهِ ) * ، * ( وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) * . فانّ هذه الجملات في مقام تحقّق الاقتضاء ورفع الموانع . ويدلّ على ما ذكرنا : صريح الآية الكريمة : * ( فَمَنْ يُرِدِ ا للهُ أَنْ يَهْدِيَه ُ يَشْرَحْ صَدْرَه ُ لِلإِسْلامِ ) * - 6 / 125 . فيصرّح بانّ انشراح الصدر وسيلة الهداية . والتعبير بعدها بحرف اللام - لك ، للإسلام ، لي : إشارة إلى أنّ الشرح إنّما يتحقّق لنفعهم ولينتفعوا به وليتحصّل الإسلام والايمان . وأمّا التعبير بالباء في الآية - . * ( وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ ا للهِ ) * - 16 / 106 : إشارة إلى أنّ هذا النحو من الانشراح ليس بشرح طبيعيّ ، بل انشراح بوسيلة الكفر ، فانّ الصدر مرتبة ظاهريّة أوليّة من القلب ، وهو محلّ نزول الإسلام أو الكفر ، وفي هذا المورد قد نسب الشرح إلى العبد ، بخلاف الآيات السابقة ، فانّ اللَّه تعالى لا يمكن له أن يشرح قلب عبده بالكفر . ويدلّ على أنّ الشرح يقابل القبض والضيق : قوله تعالى في الآية 6 / 125 - . * ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه ُ يَجْعَلْ صَدْرَه ُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ) * ، فكما أنّ الانشراح يكون وسيلة للهداية : فالتضيّق أيضا وسيلة الضلالة . فظهر أنّ انشراح الصدر أوّل شرط في السير إلى اللَّه تعالى ، وهو باب الورود إلى طريق الهداية ، وتحقّق استعداد لطلب الكمال . شرد مقا ( 1 ) - شرد : أصل واحد وهو يدلّ على تنفير وإبعاد ، وعلى نفار وبعد ، في انتشار . من ذلك شرد البعير شرودا ، وشرّدت الإبل تشريدا اشرّدها ، ومنه - فشرّد بهم من خلفهم - يريد نكَّل بهم وسمّع ، وهو ذلك المعنى ، إنّ المذنب إذا أذنب
--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه .